السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
576
مختصر الميزان في تفسير القرآن
القتل إلى مضاجعهم وليبتلي اللّه ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ، فبين لهم : أولا : أن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونكم على الحق ، وعدم كون الأمر لكم على ما تزعمون بل لان القضاء الإلهي وهو الذي لا مناص من نفوذه ومضيه جرى على أن يضطجع هؤلاء المقتولون في هذه المضاجع ، فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، فلا مفر من الأجل المسمى الذي لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون . وثانيا : أن سنة اللّه جرت على عموم الابتلاء والتمحيص وهي واقعة بهم وبكم لا محالة ، فلم يكن بد من خروجكم ووقوع هذا القتال حتى يحل المقتولون محلهم وينالوا درجاتهم ، وتحلوا أنتم محلكم فيتعين لكم أحد جانبي السعادة والشقاوة بامتحان ما في صدوركم من الأفكار ، وتخليص ما في قلوبكم من الإيمان والشرك . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا استزلال الشيطان إياهم إرادته وقوعهم في الزلة ، ولم يرد ذلك منهم إلّا بسبب بعض ما كسبوا في نفوسهم ومن أعمالهم فإن السيئات يهدي بعضها إلى بعض فإنها مبنية على متابعة هوى النفس ، وهو النفس للشيء هو لما يشاكله . وأما احتمال كون الباء للآلة وكون ما كسبوا عين توليهم يوم الالتقاء فبعيد من ظاهر اللفظ فإن ظاهر « ما كَسَبُوا » تقدم الكسب على التولي والاستزلال . وكيف كان فظاهر الآية أن بعض ما قدموا من الذنوب والآثام مكّن الشيطان أن أغواهم بالتولي والفرار ، ومن هنا يظهر أن احتمال كون الآية ناظرة إلى نداء الشيطان يوم أحد بقتل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على ما في بعض الروايات ليس بشيء إذ لا دلالة عليه من جهة اللفظ . قوله تعالى : وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ هذا العفو هو عن الذين تولوا ، المذكورين في صدر الآية ، والآية مطلقة تشمل جميع من تولى يومئذ فتعم الطائفتين